الخطيب الشربيني

378

مغني المحتاج

تنبيه : ظاهر كلامه كغيره أنه يصح وقف المشاع مسجدا ، وبه صرح ابن الصلاح ، وقال : يحرم المكث فيه على الجنب تغليبا للمنع وتجب القسمة لتعينها طريقا . قال السبكي : والقول بوجوبها مخالف للمذهب المعروف - يعني من منع قسمة الوقف من المطلق - إلا أن يكون فيه نقل صريح بخصوصه ، وأفتى البارزي بجواز المكث فيه ما لم يقسم ، كما يجوز للجنب حمل المصحف مع الأمتعة ، واعترضه السبكي بأن محل جواز حمل المصحف مع الأمتعة إذا لم يكن مقصودا اه‍ . وكلام ابن الصلاح هو الظاهر كما قاله ابن شهبة . وتستثنى هذه الصورة من منع قسمة الوقف من المطلق للضرورة ، ولا فرق بين أن يكون الموقوف مسجدا هو الأقل أم لا . فإن قيل : ينبغي عدم حرمة المكث فيما إذا كان الموقوف مسجدا أقل كما أنه لا يحرم حمل التفسير إذا كان القرآن أقل على المحدث . أجيب بأن المسجدية هنا شائعة في جميع أجزاء الأرض غير متميزة في شئ منها فلم يمكن تبعية الأقل للأكثر إذ لا تبعية إلا مع التمييز ، بخلاف القرآن فإنه متميز عن التفسير فاعتبر الأكثر ليكون الباقي تابعا ، ومر في باب الاعتكاف أنه لا يصح الاعتكاف فيه . ( لا عبد وثوب ) مثلا ( في الذمة ) سواء في ذلك ذمته وذمة غيره ، كأن يكون له في ذمة غيره عبد أو ثوب بسلم أو غيره فلا يصح وقفهما إذ لا ملك والوقف إزالة ملك عن عين . نعم يصح وقفهما بالتزام نذر في ذمة الناذر ، كقوله لله علي وقف عبد أو ثوب مثلا ثم يعينه بعد ذلك . ( ولا ) يصح ( وقف حر نفسه ) لأن رقبته غير مملوكة ، كما لا يهب نفسه . ولا يصح وقف المنفعة دون الرقبة مؤقتة كانت كالإجارة أو مؤبدة كالوصية ، لأن الرقبة أصل والمنفعة فرع ، والفرع يتبع الأصل . ( وكذا مستولدة وكلب معلم ) أو قابل للتعليم كما بحثه السبكي ، ( وأحد عبديه ) لا يصح وقف واحد منهم ( في الأصح ) لأن المستولدة آيلة إلى العتق وليست قابلة للنقل إلى الغير ، وبهذا فارقت صحة وقف المعلق عتقه بصفة ، والكلب غير مملوك وأحد العبدين مبهم . والثاني : يصح في أم الولد قياسا على صحة إجارتها ، وفي الكلب كذلك على رأي ، وفي أحد العبدين قياسا على عتقه . وفرق الأول بأن العتق أنفذ بدليل سرايته وتعليقه ، أما غير المعلم والقابل للتعليم فلا يصح وقفه جزما . ( ولو وقف بناء أو غرسا في أرض مستأجرة لهما ) أو مستعارة كذلك ، أو موصى له بمنفعتها ، ( فالأصح جوازه ) سواء أكان الوقف قبل انقضاء المدة أم بعده كما صرح به ابن الصلاح ، أو بعده رجوع المعير ، لأن كلا منهما مملوك يمكن الانتفاع به في الجملة مع بقاء عينه ، ويكفي دوامه إلى القلع بعد مدة الإجارة أو رجوع المعير . والثاني : المنع ، لأنه معرض للقلع فكأنه وقف ما لا ينتفع به . تنبيه : ظاهر كلامهم أنه لو غرس أو بنى بعد انقضاء مدة الإجارة أو رجوع المعير أنه لا يصح وقفه ، وهو كذلك ، لأنه غير موضوع بحق ، ولذا قال شيخنا في منهجه : وبناء وغراس وضعا بأرض بحق اه‍ . ولو قلع البناء بعد انقضاء مدة الإجارة أو رجوع المعير بقي وقفا كما كان إن نفع ، فإن لم ينفع فهل يصير ملكا للواقف أو للموقوف عليه ؟ وجهان ، قال الأسنوي : والصحيح غيرهما وهو شراء عقار أو جزء من عقار ، ويقاس بالبناء في ذلك الغراس . وقال السبكي : الوجهان بعيدان ، وينبغي أن يقال الوقف باق بحاله وإن كان لا ينتفع به ، لأنا لو جعلناه ملكا للموقوف عليه أو للواقف لجاز بيعه وبيع الوقف ممتنع اه‍ . وكلام الأسنوي هو الظاهر إن كان الغراس ما بقي يصلح إلا للاحراق وصارت آلة البناء لا تصلح له ، وإلا فكلام السبكي وأرش النقص الحاصل بقطع الموقوف يسلك به مسلكه فيشترى به شئ ويوقف على تلك الجهة . فرع : لو شرط الواقف صرف أجرة الأرض المستأجرة من ريع الموقوف هل يصح الوقف أو لا ؟ قيل : لا يصح ، لأن الأجرة دين في ذمته فأشبه ما لو وقف على قضاء دينه . وقال ابن دقيق العيد : الظاهر الصحة ، ووقف البناء لا يمنع وجوب أجرة القرار فإذا شرط صرف الأجرة من ريعه فقد شرط ما يوافق مقتضى العقد ولا ينافيه شرعا ، قال الزركشي : وقد صرح ابن الأستاذ بأن الأجرة من ريع الوقف إن شرط الواقف ذلك أو سكت عنه اه‍ . وما بحثه ابن دقيق العيد